أحلم بفلسطين أعيش فيها كما أنا

Illustration: Aude Nasr
إن وجهتي ليست نحو ماضٍ متصالح بل نحو مستقبلٍ متخيَّل، حيث لا يُضطر أحدٌ أن يخفي جزءًا من نفسه ليعيش.

بقلم طارق بقعوني

هذا المقال جزء من عدد “فلسطين: أوجه الوجود،” الذي يسلط الضوء على جوانب من الحياة الفلسطينية والتحرير غير المستكشفة بما يكفي.

اقرأ هذا المقال باللغة الانكليزية.

*

تنويه بشأن المحتوى: يحتوي هذا المقال على وصف لاعتداء لفظي بذيء وإهانة للمثليين

*

أبلغُ من العمر خمس سنواتٍ أو ست، في منزلنا الحجري في منطقة اللويبدة التي استقرينا فيها بعد الفرار والتي تفصلُ بين عمّان الغربية وعمّان الشرقية. أقفُ على باب غرفة جدتي، وعلى الجدار لوحةٌ لجدةٍ تحيكُ سترةً وهي تجلس على كرسيها الهزاز، وفي حضنها قطةٌ سوداء. إذا رفضت أُمّك طلبك، مكتوبٌ على اللوحة، فاطلب من جدتك.

يغمر جدتي ضوءُ الشمس المتسربُ من النافذة فوق سريرها، ويلمع شعرها الأبيض تحت أشعته. تستلقي جدتي على جنبها مقابل الباب، فوق الأغطية البنية، وشالُها العنابي فوق ثوب نومها الوردي. تتمسك جدتي  بأشيائها هذه منذ ما يزيد على ثلاثين عامًا، فقد فقدت ممتلكاتها كلها مرّاتٍ عدّة من قبل.

البيت هادئ. أُمي وأبي يقرآن في غرفتهما. أمّا جدتي، فنصف نائمة، واعية للأصوات من حولها.

كانت تقول إنها ترّيح عيناها، وجفناها مُطبقين، أنا لست نائمة. ولكني، تحسبًا، أمشي على أصابع أقدامي بلطف كي لا أيقظها. ليس في غرفتها الكثير من الأثاث – وكأنها لا تحتاج إلى المتاع الدنيوي – هناك خزانة ووحدةُ جوارير فوقها ثلاثة براويز. أحدها صورة لأمي وأبي يوم زفافهما، وصورة لخالي، شقيق أمي الوحيد، مع زوجته البرازيلية السابقة، وصورة لجدتي وهي تحمل وائل، حفيدها الأول، عندما كان رضيعًا، قبل أن نولَد أنا ورائد. تبدو جدتي أنيقةً في الصورة، تقف بفخر وهي ترتدي فستانًا منقّطًا ونظارات شمسيةً كبيرة. أما على الطاولة بجانب السرير فإنجيلها ذو الغلاف الجلدي الأسود المزين بأحرف عربية ذهبية خيطت على غلافه. أرتقي إلى الفراش فيهبط من وزني وأستلقي بين ظهر جدتي والجدار.

حبيبي، تتمتم جدتي، أجئت تقيلُ معي؟ٍ

يا له من نعيم. أستلقي بأمان خلفها، وتتلاشى تشنجات بطني التي سببتها لي المدرسة، بينما تدفئ الملاءات ظهري. يذهب نظري إلى أغصان التين الممتدة نحو النافذة، ثم أنظر نحو الصليب الخشبي المصقول فوق رأسينا، نحو عضلات يسوع المشدودة، وتفاصيل الأشواك المنحوتة على تاجه، والخشب المحروق حول جروحه.

الصليب من المقتنيات القليلة التي بقيت مع جدتي طوال حياتها، يراقبها وهي نائمة. وحتى يومنا هذا، لا تزال رحلة الصليب من القدس إلى جدار منزلنا في عمان تُروى مجزوءة. مقتطفات هنا وهناك، كعلامات مُلقاة على درب سنوات الطفولة وما بعدها.

*

بين ليلةٍ وضحاها،كما  كانت تقول أمي، أصبحت ساحة المدرسة، التي كانت تجذبني، مكانًا محيرًا يتوعدني، وبالأخص بالقرب من الدرابزين الأزرق المتلوي لثلاثة شواحط والممتد من صفوفنا  إلى الفناء الرئيسي بعد العلم الأردني بقليل حيث كنا نصطف كل صباح لأداء النشيد الوطني ونتعهد للملك بالولاء.

ربما لم يحصل هذا التحول فجأةَ. ولربما كانت النظرات التي واجهتها ذات يوم موجودة طوال الوقت، غير مرئية. ومع ذلك، ذات صباح، أصبحت وجوه الأولاد والبنات من حولي تستهزئ بي، عيونهم مليئة بالاشمئزاز، شفاههم مغلقة بإحكام شديد، بعضها تشير للانزعاج. أما الطيبون منهم، فكانوا لا ينظرون إلي.

A stylised illustration of a young boy surrounded by indistinct figures looking and pointing at him.
العمل الفني – عود نصر

ومع أنني بالكاد كنت ألاحظ لون الدرابزين الأزرق من قبل، إلا أن عيناي اتجهت إلى الطلاء ذلك الصباح. كان الطلاء متقشرًا، ترى المعدن الصدأ تحته. تحسست بأصابعي الطلاء المتقشر حيث ترك الدهان بقعًا غير متساوية الطبقات يمكنني قضاء بعض الوقت في تقشيرها.

كان اسمه فادي أصيل. كنت أتجنَّب النظر في عينيه، لأن وقوفي في مرآى بصره كان عادةً ما يستثيره ضدي. كان التقاء أعيننا بمثابة الدعوة. وأي اصطدام جسدي يستتبعه ذلك لا يكاد يُقارَن بالصدمة التي تهز كياني من الداخل. فكنت أدرك أنني على وشك التعرض لذلٍّ آخر.

أشعر بانقباض في معدتي عندما أسترجع تلك اللحظات، حتى بعد مرور عقدين من الزمن وانتقالي إلى قارة أخرى. يتوتر كتفاي، ويعتريني وهجٌ من الحرارة فأتعرق، كما لو كانت شمس عمان، وليست سماء لندن الرمادية، تطل من نافذتي. يجف فمي وأنا واقف، محاطٌ بالأولاد، أنظر في عيني فادي السوداوين، أترجاه أن يمضي في طريقه – أو على الأقل أن نجد ركنًا آخر لهذه المهزلة، ركنًا أستر، لا يراني فيه إخوتي. ومع أنه أطول مني، إلا أنه يتظاهر بأنني صدمته بكتفي.

“بنيكك أنت وأختك إذا بتطب فيا مرة ثانية. المرة الجاي لمّا تشوفني مارق، بتوقف وبتزيح عن طريقي. فاهمني يا منيك؟”

ينقبض صدري وأرتجف. أحاول أن أومئ برأسي، لكن يبدو بأن جسدي منفصلٌ عني، غير قادر أو غير راغب في الاستجابة لتوسلي. يستشعر فادي ذلك كما تستشعر سمكة البيرانا قطرة الدم في المياه.

“ما بتعرف كيف تجاوبني؟ أنا بحكيلك كيف. بترفع إيدك وبتعملها زي هيك،” يقول لي وهو ويضع يده على خاصرته بينما يرفع الأخرى ويلوي معصمه، “وبتحكي: حاضر يا سيدي مثل ما بدك. رَح أبعد عن طريقك. أنا آسف.”

تحمَى أذناي من صوته الحاد ونبرته العالية. ويكاد صوت نبضات شراييني يطغى على ضحك الأولاد الصاخب من حولي. ألا يعلمون أنني أيضًا أجد هذه الحركات بشعة؟ أنني أيضًا أريد التخلص منها؟ ألا يفهمون أنني أيضًا أريد أن أكون على الجانب الآخر من الدائرة بدلاً من أن أكون هنا في منتصفها؟

عندما أرى معصمه الملوي، أُجلِّسُ معصمي على الفور. فرصتي الوحيدة للتمرد هي أن أظهرَ له وللجميع بأنه يكذب. معصمي لا يلتوي. أحاول تقويم ظهري أيضًا، لكن شيئًا ما يسحب كتفاي إلى أسفل، ويدفعني إلى الأمام بينما تحمرُّ خدودي.

أنظر في عيون الأولاد من حولي في تلك الدائرة، عيونهم متلألئة – بعضها مبتهج، وفي بعضها قسوة، وبعضها مُشفق. تُحدِّقُ عيون بعضهم في عيوني، مؤكدة هيمنتهم عليّ دون الحاجة إلى لَمسي. يرفض الآخرون النظر إليّ، ويشيحون ببصرهم بعيدًا، ولكنهم لا يبرحون المكان. يستمر الاستهزاء.

“فهمتني يا بنوتة؟”

لساني ما زال ضائعا. أومأت برأسي وأنا أنظر إلى الأسفلت الأسود في الفناء بينما تقدَّم الأولاد وهم يدفعوني جانبًا بعد أن استمتعوا بمشاهدة المسرحية. يخرج أصدقائي من مخبئهم متظاهرين بأن لا شيء حدث. أنا ممنون. أجد آخر ذرّة من الكرامة في هذا التظاهر. أنا ممتن أيضًا لأنهم ما زالوا يريدون مجالستي، حتى بعدما عُرض قُبحي على مرأى الجميع. أعود إلى الدرابزين الأزرق ليسندني وأنا أصعد الدرج، فركبتاي لا تكادان تحملاني.

*

أنظر إلى مداخل البيوت المحفوفة بزهور الياسمين في حيفا، بعد أن اجتزت الزمان والمكان عائدًا إلى أحد مواضع الانفصام التي حملتها في صدري دون علمي. وأنا أبحث عن منازل أجدادي كان الناس يحثونني على نسيانها ومواصلة العيش. راحت فلسطين، قالت لي عجوز فلسطينية ذات يوم عندما سألتها عن منزل جدتي. جدودك راحوا وراحت فلسطين. انسى يا ابني، قالت لي بلطف، ما راح تلاقي اشي هون.

A stylised illustration of a city. Figures in the foreground look out at the viewer.
العمل الفني – عود نصر

لم تستطع أن ترى أن فلسطين كانت حولها في كل مكان. تحت اللافتات العبرية والعمارات الحديثة، تكمن فلسطين حاضرةً ونابضة، ولكن متوارية لا يلحظها المجتمع من حولها. كانت فلسطين في كل مكان حولنا في عمان، بلا اسم، ولكنها كانت موجودة طوال طفولتنا. في اللويبدة، مدينتنا داخل المدينة، ثمة مجموعة من الشوارع التي تسكنها عائلات فلسطينية وجدت نفسها عالقة في العاصمة الأردنية منذ النكبة. عائلات من القدس تجاورها عائلات نابلس، وعائلات من بيت لحم تجاورها عائلات أخرى من حيفا. بعضهم من الذين لجأوا إلى عمان عام ١٩٤٨. وبعضهم الآخر، مثل عائلتي، انتهى بهم المطاف في الأردن بالصدفة، بعدما فرّوا إلى لبنان أولًا.

 تقف الجدران الفلسطينية شاهدةً في كل مكان أيضًا، حول المجتمع الإسرائيلي الذي زرع نفسه على هذه الأرض، وبين مساكن مجتمع المستوطنين. فلسطين ما تزال هنا حيث كانت دائما، وهيكلها العظمي لا يزال قائمًا مع أن الجسد من حوله أمسى غريبا وعدائِيًا. سقالة من الماضي لا تزال باقية. فلسطين في كل مكان: تحت ملهيات الحياة الإسرائيلية، في الشقوق والأزقة، في المنازل والتضاريس. مساحة حميمة ذات حضور صامت خلف ما تراه العين، تكشف فقط عن أجزاء من نفسها. حضورٌ أعدّتني اللويبدة لاكتشافه.

*

آخر ذكرياتي مع جدتي قبل وفاتها ليست آخر مرة رأيتها فيها. بل كان قبل ذلك بأشهر قليلة. أغمض عيني وأتذكر.

أجلس بجانبها وأمسك يديها وأخبرها عن فلسطين. جسد جدتي صغير،  طاعنٌ في السن، متعب، مغطى بشالات صوفية، فقدَ البصر والأسنان. تخبرني أنها ملَّت وهي تنتظر  أن يتوفاها الله. آن الآوان. لقد حان الوقت منذ سنوات. حان الوقت أن أرى جدك مرة أخرى. تُريح يديها النحيلتين في يديّ وتُرخي أُذنها نحوي. تفرك أصابعها ببعض. لأدفئُهم، تقول وهي تلهي نفسها عن الذكريات المتدفقة. تلمع خصلات من شعرها الأبيض وأنا أروي حكايات عودتي إلى فلسطين، وكيف عثرت على المنزل الذي فرّت منه في حيفا عندما كانت شابة مبصرة في السابعة عشرة من عمرها، وكيف حدَّدتُ موقع المنزل استنادًا فقط إلى وصفها للطريق من الشارع الرئيسي في المدينة عند سفح الجبل. أخبرتها عن رائحة الياسمين التي تفوح من مدخل المنزل، وهي الرائحة نفسها التي فاحت ليلة طُرِدَت من منزلها. أخبرتها كيف وقفت وبكيت أمام مدرستها القديمة التي أصبحت الآن متحفًا.

لا أخبرها أن عشيقي كان يقف بجانبي عندما وجدت المدرسة بالصدفة. الشِقٌّ الأول من قصتي يجعل جدتي فخورة؛ أما الثاني فلا . أخفي هذا الجزء من القصة – ليس من منطلق العار، أقول لنفسي، ولكن من باب الاحترام. لا أعرف كيف أحافظ على نفسي في نظرها. لا بأس. لقد علمتني الحياة كيف أخفي أجزاءً من نفسي لتناسب من أحبهم، وكيف أواري نفسي. أعرف كيف أختبئ، وأمرّ، وأحيا دون أن تُكتَشف هذه الأجزاء المخفية – تمامًا مثل فلسطين. وأنا أسرد قصة عودتي إلى الوطن، تتخيل جدتي رحلة عودتها، واستعادتها لماضيها المسروق، وتعلم أنها لن تعود… أنا أيضًا أستحضر صورًا لعالم بديل يجمعنا فيه الوطن. على عكس جدتي، فإن وجهتي ليست نحو ماضٍ متصالح بل نحو مستقبلٍ متخيَّل، حيث لا يُضطر  أحدٌ أن يخفي جزءًا من نفسه ليعيش.

A stylised illustration of a house against a purple sky, jasmine flowers in the foreground. The faces of a young man and an elderly women frame the building, eyes closed and smiling.
العمل الفني – عود نصر

*في “سْكِن ديب،” نوفر مساحة للمبدعين السود وذوي الخلفيات المتعددة لإخبار قصص جذرية تساعد على خلق عوالم جديدة. نحن منظمة غير ربحية ذات مصلحة مجتمعية. تمويل عملنا ليس بأمر سهل، خاصةً بالنسبة للقضايا الأكثر إلحاحًا التي نناقشها والتي تستحق اهتمامنا مثل قضية تحرير فلسطين. إذا كنتم تؤمنون بأهمية هذه القصص مثل التي هي موجودة في هذا العدد، فالرجاء دعم منظمتنا: بإمكانكم أن تصبحوا أعضاء في المجلة، أو يمكنكم التبرع.

Explore more

08.08.22
أن أعيش في زمن ليس لي: رسالة مجهولة من داخل سجون الاحتلال
08.08.22
في قلب البلدة القديمة، تثبت أجيالٌ من الفلسطينيين الأفارقة في وجه الاحتلال